حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,1 أبريل, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 2566

محمد الفريحات يكتب: رمضان .. رحلة استعادة الروحانيات والتضامن في زمن البذخ.

محمد الفريحات يكتب: رمضان .. رحلة استعادة الروحانيات والتضامن في زمن البذخ.

محمد الفريحات يكتب: رمضان ..  رحلة استعادة الروحانيات والتضامن في زمن البذخ.

29-03-2025 02:31 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : محمد متعب الفريحات
يحل علينا رمضان كل عام كنسمة رحمة، يحمل معه فرصة نادرة لتطهير الأرواح، وتجديد العهد مع الله، والتقرب إليه بالعبادة، وتلمس حاجات الفقراء والمحتاجين. هو شهر الصيام، لا عن الطعام والشراب فحسب، بل عن الشهوات والنزوات وكل ما يثقل الروح ويبعدها عن الصفاء. ولكن، يا للأسف، لقد بدأ هذا الشهر المبارك يفقد جوهره، وتحول في كثير من المجتمعات إلى موسم للبذخ والإسراف، ومهرجان للطعام والمسلسلات والسهرات الممتدة حتى الفجر.

حينما يصبح رمضان موسما للاستهلاك بدلا من العبادة.

كان الصوم في معناه ومضمونه الحقيقي تجربة تهذيبية، يشعر فيها الغني بمعاناة الفقير، فيرق قلبه، ويزداد كرمه، ويتجلى معنى التكافل والتراحم في أسمى صوره. إلا أن الواقع الحالي يحكي قصة مختلفة تماما. فقد تحول رمضان عند الكثيرين إلى شهر تتضاعف فيه الموائد العامرة، وتزداد ميزانيات الإنفاق على الطعام، وكأن الهدف من الصيام هو الامتناع عن الأكل نهارا لتعويضه بوجبات دسمة ليلا. والمفارقة أن الإسراف في الطعام يأتي في وقت يعاني فيه ملايين البشر من الفقر والجوع، فيما تلقى أطنان من الطعام في حاويات القمامة ! .
أما الأسواق والمحال التجارية، فتمتلئ قبيل رمضان وكأن الناس مقبلون على مجاعة، فتجد العربات متخمة بالمشتريات، وكأن الشهر الكريم لا يمكن أن يمر إلا بمخزون استثنائي من الأطعمة والمشروبات. وإذا دخلت وسائل التواصل الاجتماعي، فسترى مسابقات غير معلنة في استعراض الموائد المتخمة، والتباهي بأصناف الطعام التي تتعدى الحاجة الفعلية للأسرة.

الغرق في الترفيه على حساب الروحانية.

لم يقتصر التغيير على الموائد فقط، بل امتد ليشمل طريقة قضاء الوقت في هذا الشهر الكريم. حيث تتزاحم القنوات ببرامج الترفيه والمسلسلات التي تنتج خصيصا لرمضان، وكأن الناس ينتظرون هذا الشهر لا ليصلوا ويتدبروا القرآن، بل ليعيشوا لياليه متنقلين بين مشاهد درامية وأخرى فكاهية وبرامج مقالب لا تمت إلى قيم الشهر الفضيل بصلة.
لقد كان السلف الصالح يستغلون رمضان في التفرغ للعبادة، والتزود من الروحانيات، أما اليوم، فصار السهر حتى الفجر أمام الشاشات هو العادة الجديدة، والنوم حتى العصر هو النمط السائد، وكأن الليل هو وقت الحياة، والنهار هو فترة انتظار لوجبة الإفطار

كيف نعيد لرمضان روحه الحقيقية ؟

إن العودة إلى المعنى الحقيقي لرمضان تحتاج إلى وعي جماعي وسلوك فردي مسؤول، في إصلاح المجتمع يبدأ من الفرد. ولتحقيق ذلك، علينا العمل على عدة محاور:
إعادة النظر في مفهوم الصيام: يجب أن نذكر أنفسنا وأبنائنا بأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة تربوية تهذب النفس وتعودها على الصبر والقناعة.
مكافحة ثقافة الإسراف: علينا أن نربي أنفسنا وأطفالنا على الاعتدال، فلا داعي للمبالغة في إعداد الموائد، ولا للتبذير في شراء كميات ضخمة من الطعام. فليكن رمضان فرصة لعيش تجربة الفقراء، لا مجرد موسم لإشباع البطون.
التركيز على الروحانيات: بدلا من قضاء ليالي رمضان أمام الشاشات، لنعد إلى القرآن والصلاة والذكر، ولنعود أنفسنا على الجلوس مع أسرنا في جلسات إيمانية، نسترجع فيها القيم الحقيقية لهذا الشهر.
إحياء التكافل الاجتماعي: رمضان شهر الصدقة والبر والإحسان، لذا فلنجعل من هذا الشهر مناسبة لنفكر في الآخرين، ولنخصص جزءا من أموالنا لدعم الفقراء والمحتاجين.
إعادة ضبط عادات السهر: بدلا من قلب الليل إلى نهار، فلنحاول تنظيم أوقاتنا بما يسمح لنا باستغلال السحر في القيام والدعاء، والنهار في العمل والعبادة، بدلا من النوم الطويل حتى وقت الإفطار.

خاتمة: رمضان فرصة لا تتكرر.

رمضان ليس مجرد ثلاثين يوما تمر كل عام، بل هو فرصة نادرة لمن أراد أن يراجع نفسه، ويصحح مساره، ويعيد ترتيب أولوياته. هو مدرسة للتغيير، لا مجرد محطة استهلاكية وترفيهية. فهل وقفنا مع أنفسنا لحظة صدق، وسألنا: هل نحن نعيش رمضان كما ينبغي، أم أننا ضللنا الطريق؟
رمضان سيعود في كل عام، لكن لا أحد يضمن أنه سيعيش ليشهد رمضان القادم. فلنجعل من هذا الشهر محطة إيمانية حقيقية، ولنستعيد روحه المفقودة، قبل أن يتحول إلى مجرد مناسبة اجتماعية استهلاكية لا تمت إلى جوهره بصلة.











طباعة
  • المشاهدات: 2566
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
29-03-2025 02:31 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل واشنطن و "تل أبيب" قادرتان على مواجهة طويلة الأمد مع الحوثيين بعد تهديد الجماعة بمواصلة استهداف "إسرائيل"؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم