حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الجمعة ,4 أبريل, 2025 م
طباعة
  • المشاهدات: 6244

ليث القهيوي يكتب: ريادة الأعمال في الأردن: تحليل إستراتيجي لفرص الشباب والصعوبات الهيكلية

ليث القهيوي يكتب: ريادة الأعمال في الأردن: تحليل إستراتيجي لفرص الشباب والصعوبات الهيكلية

ليث القهيوي يكتب: ريادة الأعمال في الأردن: تحليل إستراتيجي لفرص الشباب والصعوبات الهيكلية

03-04-2025 08:43 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. ليث عبدالله القهيوي
تعيش ريادة الأعمال في الأردن لحظةً فارقة تجمع بين طموحات شبابية متزايدة وإصلاحات اقتصادية جزئية، لكنها ما تزال تصطدم بجدار من التحديات الهيكلية والإدارية التي تحدّ من تحول الأفكار الريادية إلى مشاريع اقتصادية فاعلة ومستدامة. فعلى الرغم من الارتفاع الملموس في مؤشرات ريادة الأعمال خلال السنوات الأخيرة، وزادت نسبة النشاط الريادي حسب التقرير العالمي لمرصد ريادة الأعمال لعام 2023/2024 وحقق الأردن قفزات نوعية في عدة مؤشرات فقد ارتفعت نسبة نشاط ريادة الأعمال في مراحلها المبكرة (TEA) في المراحل المبكرة من


9.1 % في عام 2020 إلى 15.7 % في عام 2024، مما ساهم في تحسين ترتيب المملكة عالميًا من المرتبة (34) عام 2020 إلى المرتبة (15) عام 2024 بين 46 دولة مشاركة ويبقى السؤال الجوهري قائمًا: هل هذا التقدم يعكس تحولًا إستراتيجيًا عميقًا في بنية الاقتصاد الأردني أم أنه مجرد صدى لمبادرات مجزأة تفتقر إلى إطار مؤسسي شامل؟
إن التحليل الإستراتيجي لواقع ريادة الأعمال في الأردن يكشف عن وجود فجوة كبيرة بين الطموح والواقع. من ناحية، يظهر الشباب الأردني رغبة قوية في تأسيس مشاريعهم الخاصة، حيث عبّر 48 % منهم عن نيتهم دخول عالم الأعمال خلال خمس سنوات، إلا أن 10 % فقط حاولوا تحويل هذه الرغبة إلى فعل، بينما استطاع 5 % فقط الاستمرار في مشاريعهم. هذه الأرقام تعكس اختلالًا واضحًا في منظومة الدعم، وضعفًا في البيئة الحاضنة للأعمال الناشئة. التمويل يمثل العقبة الأولى، إذ لا تزال البنوك والمصادر التمويلية التقليدية متحفظة في التعامل مع المشاريع الريادية، خاصة في مراحلها الأولية التي تتسم بالمخاطرة العالية. على الرغم من تحسن مؤشر التمويل الريادي إلى 4.5 من 10 في 2024، إلا أن الرقم لا يعكس بعد منظومة مالية مرنة وداعمة للريادة.
على الجانب الآخر، تُظهر مؤشرات التعليم الريادي تحسنًا نسبيًا، إذ ارتفعت من 2.9 إلى 3.7 في المدارس، ومن 3.7 إلى 4.3 في التعليم بعد الجامعي، إلا أن هذا التحسن لا يكفي لتوليد ثقافة ريادية مستدامة، خصوصًا أن معظم المناهج لا تزال تركز على الجوانب النظرية وتفتقر إلى التطبيق العملي والشراكات مع القطاع الخاص. التعليم الريادي بحاجة إلى تحول نوعي يُدخل المهارات الريادية كجزء أساسي من المنظومة التعليمية في جميع المراحل، وليس فقط على هامش النشاطات اللاصفية.
التحديات الإدارية لا تقل خطورة، لا يزال رواد الأعمال يعانون من تعقيدات البيروقراطية وصعوبة تأسيس الشركات، والإجراءات الطويلة، وتعدد المرجعيات، والتشريعات غير الواضحة تضعف من جاذبية البيئة الاستثمارية وتستهلك طاقات الشباب في متاهات إدارية بدلًا من دفعهم نحو الإنتاج والابتكار. ورغم تحسن السياسات الحكومية المرتبطة بالضرائب والإجراءات الإدارية من 4.7 إلى 5.3، فإن هذه التحسينات لم تُترجم بعد إلى نقلة نوعية في سهولة ممارسة الأعمال.
في المقابل، يبرز القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية كلاعبين مهمين في دعم الريادة، عبر إنشاء مسرّعات وحاضنات أعمال، وبرامج تدريب وتمويل تنافسية. غير أن هذه المبادرات غالبًا ما تبقى محصورة جغرافيًا في العاصمة عمّان، مما يزيد الفجوة التنموية بين المركز والأطراف ، ومن هنا تتجلى الحاجة إلى إستراتيجية وطنية شاملة تُعمم هذه المبادرات على مختلف المحافظات، وتربطها بخطة وطنية للتشغيل والإنتاج، ضمن رؤية اقتصادية موحدة.
ولعل أخطر ما يواجه الشباب الأردني اليوم هو غياب البرامج الريادية الواضحة القابلة للتطبيق، والتي تُصمم بناءً على فهم واقعي لاحتياجات السوق المحلي والدولي، فيجب أن تتكامل البرامج الريادية مع سوق العمل، وتُعزز فرص التشغيل الذاتي، وتستهدف الفئات المهمشة، خاصة في المحافظات الأقل حظًا. كما ينبغي أن تركز هذه البرامج على الريادة المجتمعية والمؤسسية، لا على المبادرات الفردية فقط، لضمان ديمومة الأثر التنموي وتحقيق الشمول الاقتصادي.
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة التفكير في النموذج السياسي والاقتصادي الذي يحكم السياسات الريادية، فبدون حكومات حزبية تستند إلى برامج اقتصادية واضحة، تظل المبادرات الريادية حبيسة الأجندات الفردية والقرارات المزاجية، فالحكومات البرامجية قادرة على بناء سياسات مستدامة، مدفوعة برؤية اقتصادية إصلاحية، تدمج ريادة الأعمال في صلب منظومة التحديث الإداري والاقتصادي للدولة، وتوفر البيئة التنظيمية والتشريعية التي تعزز من الابتكار وتخفض الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتأسيس المشاريع، ومن هنا تأتي أهمية دمج ملف ريادة الأعمال ضمن أولويات الإصلاح السياسي والاقتصادي، باعتباره محركاً أساسياً للتنمية المستدامة في الأردن.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن مستقبل مشرق لريادة الأعمال في الأردن دون التأكيد على أهمية الاستثمار في الإنسان قبل البنية التحتية، فالشباب الأردني يمتلك الطاقة، والابتكار، والمرونة اللازمة لتحقيق التغيير، لكنّه بحاجة إلى برامج ترعاها الدولة، دولة تعي أن الريادة ليست رفاهية اقتصادية، بل ضرورة وطنية لتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي في عالم سريع التحول.











طباعة
  • المشاهدات: 6244
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
03-04-2025 08:43 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل واشنطن و "تل أبيب" قادرتان على مواجهة طويلة الأمد مع الحوثيين بعد تهديد الجماعة بمواصلة استهداف "إسرائيل"؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم